طرابزون ترسم طريق «الحوار الأزرق» إلى COP31.. من حماية البحار إلى قوة محمد صلاح الناعمة


عمدة طرابزون : «تُعرف طرابزون بالبحر والبندق والأنشوجة.. وكيف لي أن أنسى محمد صلاح؟»

الجمعة 11 سبتمبر 2026 | 10:47 مساءً
جانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركيا
جانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركيا
مقال : محمد جاب الله

على ساحل البحر الأسود، حيث تلتقي الجبال بالبحر، اختارت تركيا مدينة طرابزون لتبعث برسالة مبكرة إلى العالم قبل انعقاد مؤتمر الأطراف للمناخ COP31 في أنطاليا: لم يعد الوقت كافيًا لمزيد من التعهدات، بل حان وقت تحويلها إلى مشروعات واستثمارات ونتائج ملموسة على الأرض.

ومن هنا جاء عنوان اللقاء: «الحوار والتوافق والعمل»، وهي المبادئ الثلاثة التي تقوم عليها الرؤية التركية لرئاسة COP31، المقرر عقده في أنطاليا خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026.

لكن طرابزون لم تكن مجرد محطة على الطريق إلى أنطاليا؛ فقد بدت خلال اليومين الماضيين وكأنها مختبر مصغر للدبلوماسية المناخية التركية، حيث اجتمع مسؤولون وخبراء وصحفيون من دول مختلفة لمناقشة مستقبل البحار والمحيطات، والاقتصاد الأزرق، وتمويل المشروعات المناخية، وحماية النظم البيئية الساحلية.

من «الحوار الأزرق» إلى COP31

في الاجتماع الدولي للإعلام في طرابزون، أكد رئيس COP31 ووزير البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ التركي مراد كوروم أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الدبلوماسية المناخية، في ظل توترات جيوسياسية، ومخاوف مرتبطة بأمن الطاقة، وارتفاع مستويات الديون، واضطراب سلاسل الإمداد، بالتزامن مع موجات الحر والجفاف والفيضانات والحرائق.

لكن الرسالة الأبرز في حديث كوروم كانت أن اتفاق باريس لم يعد يواجه أزمة في صياغة الأهداف بقدر ما يواجه تحديًا في سرعة التنفيذ.

ومن هنا جاءت عبارته المركزية: «الحوار.. التوافق.. العمل».

فتركيا تريد أن تكون أنطاليا بحسب رؤيتها؛ «مؤتمر تنفيذ»؛ مؤتمرًا تتحول فيه الكلمات إلى مشروعات، والمشروعات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى نتائج يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

وتنسجم هذه الرؤية مع الإطار الرسمي لرئاسة COP31، الذي يركز على الانتقال من الحوار إلى التوافق ثم إلى العمل، وعلى تحويل الالتزامات المناخية إلى نتائج عملية قابلة للقياس.

جانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركياجانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركيا

البحر.. قضية بلا حدود

من طرابزون، اتسعت دائرة النقاش لتصل إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في أجندة COP31: المحيطات والبحار.

وقال كوروم في كلمته أمام الإعلام الدولي إن تلوثًا يدخل البحر في منطقة من العالم يمكن أن تنتقل آثاره آلاف الكيلومترات بفعل التيارات البحرية، مؤكدًا أن تلوث البحر الأسود يمكن أن ينعكس على الثروة السمكية والسياحة والأمن الغذائي وصحة الإنسان في مناطق أخرى.

وفي عبارة تختصر فلسفة «الحوار الأزرق»، قال: «الطبيعة لا تعرف حدودًا. والبحار لا تحتاج إلى جوازات سفر. والمحيطات لا توجد بها نقاط جمركية.»

ومن ثم، فإن حماية البحار لا يمكن أن تكون مسؤولية دولة منفردة.

فالبيئة البحرية، بحسب الرؤية المطروحة في طرابزون، ليست ملفًا بيئيًا منفصلًا، وإنما قضية ترتبط بالغذاء والاقتصاد والصحة والسياحة والأمن والاستقرار، وهو ما يجعل التعاون الدولي ضرورة وليس خيارًا.

«نداء طرابزون».. من البيانات إلى التنفيذ

خرجت الاجتماعات بوثيقة حملت اسم «Trabzon Call to Consensus, Dialogue and Action»، دعت إلى تسريع تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمحيطات والبحار استعدادًا لـCOP31.

وتضع الوثيقة حماية واستعادة النظم البيئية البحرية والساحلية في قلب جهود مواجهة تغير المناخ، مع التأكيد على ضرورة التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات المالية والعلماء والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

كما تدعو إلى توسيع استخدام الحلول القائمة على الطبيعة، وإدماج إجراءات التخفيف والتكيف والمرونة القائمة على البحار في الخطط الوطنية، مع إيلاء اهتمام خاص للدول الجزرية الصغيرة والدول النامية التي تواجه مخاطر أكبر من ارتفاع مستوى البحار والتغير المناخي.

واللافت أن الوثيقة لا تتوقف عند المبادئ، بل تضع التمويل والتكنولوجيا والبيانات في قلب الحل، بما في ذلك إنشاء آليات لتمويل المشروعات البحرية، وتطوير شبكة للبيانات الزرقاء تساعد على مشاركة المعلومات المتعلقة بدرجات حرارة البحار والتلوث وتآكل السواحل والتنوع البيولوجي.

جانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركياجانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركيا

تركيا تقدم نموذجها من بحر مرمرة إلى البحر الأسود

لم تكتفِ أنقرة بطرح الرؤية، بل سعت خلال اللقاء إلى تقديم نماذج من مشروعاتها الداخلية باعتبارها تجارب يمكن البناء عليها.

وأشار كوروم إلى تجربة تركيا في التعامل مع ظاهرة «المخاط البحري» في بحر مرمرة، والعمل على تحديث البنية التحتية لمياه الصرف الصحي، إلى جانب مشروعات حماية الأعشاب البحرية في فتحية وغوتشيك، وإدارة الأنشطة البحرية بصورة رقمية، ومشروعات إزالة الرواسب من قيعان البحار والخلجان.

وفي طرابزون نفسها، استُعرض مشروع Uzunkum Waterfront، الذي يستهدف إعادة ربط المدينة بواجهة البحر، من خلال مساحات خضراء وممرات للمشي والدراجات ومنشآت مرتبطة بالأنشطة البحرية.

وهنا يتحول البحر من مجرد منظر طبيعي إلى جزء من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

وتلك هي الرسالة التي أرادت تركيا أن تحملها من طرابزون إلى أنطاليا: حماية البحر يمكن أن تعني في الوقت نفسه حماية الوظائف، وتنشيط السياحة، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحسين جودة الحياة.

جانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركياجانب من فعاليات المؤتمر الدولي في مدينة طرابزون، الذي يناقش الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP31 في تركيا

السؤال الأصعب: ماذا سيبقى بعد انتهاء COP31؟

ربما كانت أكثر الأفكار وضوحًا في خطاب كوروم هي تلك المتعلقة بقياس النجاح.

فتركيا لا تريد أن يُقاس COP31 بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنه، وإنما بما سيحدث بعد انتهاء المؤتمر.

هل حصلت المشروعات على التمويل؟، هل أصبحت السواحل أكثر قدرة على مواجهة المخاطر؟، هل أصبحت الدول النامية أكثر قدرة على تنفيذ مشروعاتها؟

هل بدأت النظم البيئية المتضررة في التعافي؟، هذه الأسئلة تبدو أكثر أهمية من عدد الكلمات التي ستقال في قاعات أنطاليا.

فالرئاسة التركية تصف COP31 بالفعل بأنه «Implementation COP»، مع تركيز رسمي على المشروعات والشراكات والتمويل والنتائج القابلة للقياس.

طرابزون.. مدينة تستعيد البحر

وفي قلب هذا النقاش المناخي العالمي، بدت طرابزون نفسها جزءًا من الرسالة.

مدينة عريقة كانت عبر قرون ملتقى للتجارة والثقافات والحضارات، وتستقبل اليوم وفودًا إعلامية من أنحاء مختلفة من العالم للحديث عن قضية لا تعترف هي الأخرى بالحدود.

فالبحر الأسود الذي يطل عليه الصحفيون من شوارع طرابزون ليس مجرد خلفية للمؤتمر، بل هو أحد أبطال القصة.

ومن هنا تبدو المدينة اختيارًا رمزيًا ذكيًا لاستضافة هذا الحوار: مدينة على البحر تتحدث عن مستقبل البحر، قبل مؤتمر عالمي سيحاول رسم مستقبل العمل المناخي.

ومن المناخ إلى محمد صلاح.. القوة الناعمة تدخل المشهد

لكن طرابزون لم تكتفِ بالحديث عن البحر والمناخ.

في لحظة لافتة خلال افتتاح الحوار، انتقل عمدة طرابزون أحمد متين جينتش من الحديث عن مميزات مدينته إلى اسم يعرفه المصريون والعرب والأتراك جيدًا: محمد صلاح.

وقال العمدة: «تُعرف طرابزون بالبحر والبندق والأنشوجة، وكيف لي أن أنسى محمد صلاح؟»

ثم أكد المكانة الكبيرة التي يحظى بها النجم المصري في قلوب الأتراك، كانت العبارة قصيرة، لكنها حملت دلالة أكبر من مجرد مجاملة لنجم كرة قدم.

ففي عالم أصبحت فيه القوة الناعمة إحدى أدوات التقارب بين الشعوب، يمكن لشخصية رياضية عالمية أن تفعل أحيانًا ما لا تستطيع البيانات الرسمية أن تفعله: أن تخلق مساحة مشتركة بين الناس.

ومحمد صلاح، بما يمثله من حضور عالمي، تحول في تلك اللحظة إلى جزء من الصورة التي تقدم بها طرابزون نفسها أمام الإعلام الدولي؛ مدينة لا تتحدث فقط عن البحر والبندق والأنشوجة، وإنما تعرف أيضًا كيف تحتفي باسم مصري يحظى بشعبية واسعة في تركيا.

وهكذا، وبينما كان المسؤولون يتحدثون عن الدبلوماسية المناخية، كان اسم صلاح يذكرنا بأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر المؤتمرات والاتفاقيات، وإنما أيضًا عبر الرياضة والثقافة والرموز الإنسانية المشتركة.

مراد كوروم، رئيس مؤتمر الأطراف COP31 ووزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي أثناء إلقاء كلمته في جلسة «المحيطات والمناخ والاقتصاد الأزرق» في طرابزونمراد كوروم، رئيس مؤتمر الأطراف COP31 ووزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي أثناء إلقاء كلمته في جلسة «المحيطات والمناخ والاقتصاد الأزرق» في طرابزون

بين طرابزون وأنطاليا.. اختبار جديد للدبلوماسية المناخية

ما جرى في طرابزون لا يمكن فصله عن الطريق الذي رسمته تركيا نحو COP31، فبعد اجتماعات البحر الأسود، تتجه الأنظار إلى محطات أخرى على الطريق إلى أنطاليا، وصولًا إلى مرحلة المؤتمر الذي تراهن أنقرة على أن يكون مختلفًا في فلسفته ونتائجه.

واللافت أن أجندة COP31 نفسها تضع المحيطات والبحار، والاقتصاد الدائري، والمدن القادرة على الصمود، والأمن الغذائي، والتمويل المناخي ضمن محاور العمل الرئيسية، لكن التحدي الحقيقي سيظل في المسافة بين الطموح والتنفيذ.

فالعالم لا يحتاج إلى وثيقة جديدة فحسب، وإنما يحتاج إلى مشروعات ممولة، وتقنيات متاحة، وشراكات قادرة على العمل، ودول مستعدة لتحويل الالتزامات إلى سياسات على الأرض.

ومن طرابزون جاءت الرسالة واضحة: الحوار هو البداية، والتوافق هو الطريق، والعمل هو الاختبار الحقيقي.

وبينما كانت أمواج البحر الأسود تتحرك أمام المدينة، كان السؤال الذي يفرض نفسه على الطريق إلى أنطاليا أكبر من مجرد نجاح مؤتمر جديد: هل يستطيع العالم هذه المرة أن يحول الكلمات إلى واقع؟