بسام عبد السميع يكتب: قراءة في لغة الإعلام الاقتصادي


الاثنين 26 يناير 2026 | 06:31 مساءً
بسام عبد السميع
بسام عبد السميع
بسام عبد السميع

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتقلص فيه المسافة بين الحدث وتداوله، لم تعد الكلمة الاقتصادية توصيفًا فنيًا محايدًا، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل السلوك العام وثقة المستثمرين واتجاهات الأسواق. فالمصطلحات الاقتصادية لم تعد أدوات لغوية فحسب، بل أصبحت مكونات نفسية ومالية في آن واحد، وأي انزلاق في استخدامها قد يربك الفهم العام ويشوّه صورة الواقع الاقتصادي، بل وقد يخلق اضطرابًا موازياً للاضطراب الحقيقي.

ومن أبرز مظاهر هذا الخلل الاستخدام الإعلامي غير الدقيق لمفاهيم مثل الركود والكساد والأزمة والأموال الساخنة، حيث يجري التعامل معها في كثير من الأحيان كمرادفات أو أوصاف بلاغية لا كمفاهيم علمية لها شروطها وسياقاتها. فالركود يعبر عن تباطؤ مؤقت يمكن احتواؤه عبر أدوات السياسة النقدية والمالية، بينما الكساد حالة أعمق تمس بنية الاقتصاد ذاته، وحين يُوصف أي تباطؤ محدود بأنه كساد يتحول التحليل الاقتصادي إلى خطاب تخويفي يفتقر إلى الأساس العلمي.

ولا يقل عن ذلك خطورة الإفراط في استخدام مصطلح الأزمة لوصف كل تقلب أو تراجع محدود، في حين أن الأزمة الاقتصادية تعني خللًا حادًا يهدد استقرار النظام ويتطلب تدخلات استثنائية. هذا الاستهلاك المفرط أفقد المصطلح ثقله التحليلي وأضعف قدرة الجمهور على التمييز بين المخاطر الحقيقية والتقلبات الطبيعية، حتى باتت كل مرحلة تُوصف بأنها أزمة، فلا تعود الأزمة أزمة حين تقع فعلًا.

أما مصطلح الأموال الساخنة، الذي يُفترض أن يصف فنيًا تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، فقد تحوّل في بعض التغطيات إلى أداة تخويف أو شيطنة، دون تمييز بين الاستثمار طويل الأجل والتدفقات قصيرة الأمد، بينما الحقيقة أنها ظاهرة مالية تُدار بأدوات تنظيمية ونقدية ويُقاس أثرها وفق السياق والقدرة على الاحتواء، لا وفق الانطباع الإعلامي وحده.

هذا الاستخدام غير المنضبط للمصطلحات يتقاطع مباشرة مع التحديات التي تواجه القطاع المصرفي اليوم في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتداخل فيه العوامل الاقتصادية والتقنية، من تقلبات الفائدة والتحول الرقمي والأمن السيبراني إلى العملات الرقمية وتغير أنماط التعامل المالي. وفي هذه البيئة المعقدة تصبح اللغة الإعلامية جزءًا من منظومة الاستقرار أو الاضطراب، لا مجرد انعكاس محايد للأحداث.

فالحديث المبالغ فيه عن "أزمات مصرفية" عند أي تعثر محدود قد يثير ذعر المودعين دون مبرر، ويضعف الثقة في النظام المالي حتى وإن كانت المؤشرات الأساسية مستقرة، كما أن الربط غير العلمي بين قرارات المصارف المركزية والتقلبات اليومية في الأسواق قد يوحي بارتباك في السياسات النقدية بينما تكون تلك التقلبات جزءًا من ديناميكية الأسواق الطبيعية.

من هنا، فإن مسؤولية الإعلام الاقتصادي لا تقف عند نقل الأرقام والقرارات، بل تبدأ من احترام المفاهيم وضبط المصطلحات والفصل بين الوصف والتحليل والرأي، وتجنب اللغة التهويلية، والالتزام بالتوصيف العلمي، لأن الإعلام الاقتصادي ليس ساحة للإثارة، بل أحد أعمدة الاستقرار غير المرئية في النظام المالي.

فالاقتصاد لا ينهار بالكلمة، لكنها قد تعزز فرص الانهيار، وقد تتضاعف آثار الاضطراب حين تترافق مع خطاب غير منضبط. وفي عالم تُدار فيه الثقة بقدر ما تُدار فيه الأموال، تصبح دقة المصطلح الاقتصادي جزءًا من منظومة الاستقرار المالي نفسها، لا مجرد تفصيل لغوي أو مهني.