مشاركة دولية لبحث تطوير منظومة العدالة في ليبيا


العدالة والإصلاح.. رؤية ليبية لتحديث المؤسسات العقابية

الاربعاء 29 يوليو 2026 | 12:42 صباحاً
المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
رسالة بني غازي- ياسر أبو العز

انطلقت بمدينة بنغازي أعمال المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح، بمشاركة واسعة من المسؤولين والقضاة وأعضاء النيابة العامة والأكاديميين والخبراء وممثلي المنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان، في خطوة تعكس اهتماماً متزايداً بتطوير منظومة العدالة والإصلاح في ليبيا، وتعزيز مبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.

‎وشكل المؤتمر منصة علمية وقانونية لتبادل الخبرات المحلية والدولية، ومناقشة أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات العقابية والإصلاحية، وفي مقدمتها تحديث التشريعات، وتحسين أوضاع السجون، وتطوير برامج إعادة التأهيل والإدماج المجتمعي، بما يتوافق مع المعايير الدولية ويحافظ في الوقت ذاته على الثوابت الوطنية. كما أكد المشاركون أن تحقيق العدالة لا يقتصر على تنفيذ العقوبات، وإنما يمتد إلى بناء منظومة إصلاحية متكاملة تسهم في حماية المجتمع وإعادة تأهيل النزلاء وترسيخ

الثقة في مؤسسات الدولة.

‎أكد المستشار إبراهيم بوشناف رئيس المؤتمر ورئيس اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء أن المؤتمر يمثل محطة وطنية مهمة لتبادل الخبرات وصياغة رؤى عملية لتطوير مؤسسات العدالة والإصلاح، موضحاً أن اختيار شعار 'مؤسسات الإصلاح... العدالة أساس الإصلاح' لم يكن مجرد عنوان للمؤتمر، بل يعبر عن رؤية متكاملة تعتبر العدالة الركيزة الأساسية لبناء الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار.

hjjhgجانب من المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

‎وأشار إلى أن التجارب الوطنية أثبتت أن العدالة ليست وسيلة للانتقام أو إدامة الصراعات، وإنما تمثل البداية الحقيقية لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين في مؤسساتها، مؤكداً أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون سيادة القانون.

‎وأوضح أن اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء، وبدعم من الجهات المختصة، تتبنى رؤية حديثة للمؤسسات الإصلاحية تقوم على تحويلها من أماكن لتنفيذ العقوبة إلى مؤسسات لحماية الكرامة الإنسانية وإعادة التأهيل والإعداد للاندماج الإيجابي في المجتمع، وفقاً للتشريعات الوطنية والمعايير الدولية.

‎وأضاف أن احترام حقوق النزلاء يعد مؤشراً حقيقياً على قوة الدولة وتحضرها، لافتاً إلى أن العالم بات ينظر إلى العدالة باعتبارها ركناً أساسياً لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، وأن الاستثمار والمصالحة الوطنية لا يمكن أن يتحققا دون قضاء مستقل وسيادة كاملة للقانون.

‎وفي ختام كلمته، وجه بوشناف الشكر إلى الجهات الراعية للمؤتمر والوفود المحلية والدولية المشاركة، مؤكداً أن تنوع الخبرات القانونية يمثل فرصة حقيقية للخروج بتوصيات تسهم في تطوير السياسات العقابية وتعزيز التعاون الدولي في مجال العدالة والإصلاح.

رئيس لجنة الشؤون الداخلية بمجلس النواب يوسف العقوري‎

أكد رئيس لجنة الشؤون الداخلية بمجلس النواب يوسف العقوري أن انعقاد المؤتمر يجسد اهتمام الدولة الليبية بتطوير المنظومة العدلية والإصلاحية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة.

‎وأوضح أن العدالة تشكل الأساس الحقيقي للأمن والاستقرار، وأن احترام القانون يمثل الضمانة الرئيسة لحماية الحقوق والحريات وتعزيز السلم المجتمعي، مشيراً إلى أن فلسفة الإصلاح الحديثة تجاوزت مفهوم العقوبة التقليدي، لتصبح قائمة على إعادة تأهيل الإنسان وإعداده للعودة إلى المجتمع باعتباره فرداً صالحاً ومنتجاً.

hjjhgجانب من المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

‎وأشاد العقوري بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار وتهيئة البيئة المناسبة لعمل المؤسسات القضائية، مثمناً الدور الذي تقوم به اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء في متابعة أوضاع النزلاء وتنفيذ أوامر الإفراج وفق أحكام القانون.

‎كما دعا إلى مواصلة تحديث التشريعات، وتأهيل الكوادر العاملة بالمؤسسات الإصلاحية، وتوسيع برامج التدريب وإعادة التأهيل، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية للاستفادة من الخبرات والتجارب الناجحة في تطوير منظومة العدالة والإصلاح.

المفوض بوزارة الداخلية اللواء جلال هويدي

أكد المفوض بوزارة الداخلية اللواء جلال هويدي، في كلمة نقل خلالها تحيات وزير الداخلية، أن الوزارة تولي ملف تطوير المؤسسات الإصلاحية اهتماماً كبيراً، انطلاقاً من إيمانها بأهمية ترسيخ مفاهيم العدالة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان.

‎وأوضح أن انعقاد المؤتمر يعكس حرص الدولة على تطوير السياسات الإصلاحية بما يتوافق مع التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على دعم المبادرات الهادفة إلى رفع كفاءة المؤسسات الإصلاحية وتطوير قدراتها بما يسهم في إعادة تأهيل النزلاء ودمجهم في المجتمع بعد انتهاء فترة العقوبة.

hjjhgجانب من المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

‎وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب تضافر جهود مختلف المؤسسات الوطنية لتطوير المنظومة الإصلاحية، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون وصون الكرامة الإنسانية، مؤكداً استمرار وزارة الداخلية في دعم جميع البرامج والمشروعات الرامية إلى الارتقاء بمستوى الخدمات داخل المؤسسات العقابية وتحسين بيئة العمل بها.

‎إليك استكمال التقرير بالجزء الثاني، بنفس الأسلوب الصحفي الاحترافي.

المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان نعيمة العريبي

أكدت الأستاذة نعيمة العريبي، التي ألقت كلمة نيابة عن رئيس وأعضاء المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، أن بناء دولة القانون لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال منظومة عدلية تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية، مشددة على أن العدالة الحقيقية تقاس بقدرتها على إنصاف الإنسان وتعزيز ثقته في مؤسسات الدولة.

‎وأوضحت أن مشاركة المجلس في المؤتمر تأتي انطلاقاً من دوره كشريك وطني في دعم مسيرة الإصلاح القانوني وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، مؤكدة أن متابعة أوضاع مؤسسات الإصلاح والتأهيل وأماكن الاحتجاز تمثل إحدى أولويات المجلس، باعتبار أن حماية حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم تعد معياراً أساسياً لقياس مدى التزام الدولة بالقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

kالمستشار أبراهيم بوشناق

‎وأضافت أن المجلس يواصل تنفيذ زيارات ميدانية لمؤسسات الإصلاح والتأهيل في مختلف المدن الليبية، بهدف تقييم أوضاع النزلاء، ورصد مستوى الخدمات المقدمة، وإعداد تقارير تسهم في تحسين الأداء وتطوير بيئة الاحتجاز، مشيرة إلى أن المجلس لمس جهوداً وطنية واضحة لتطوير البنية التحتية للمؤسسات العقابية والارتقاء ببرامج التأهيل.

‎وشددت العريبي على أن المفهوم الحديث للمؤسسات الإصلاحية يقوم على إعادة تأهيل النزلاء وإعادة دمجهم في المجتمع، وليس الاقتصار على تنفيذ العقوبة، مؤكدة أهمية الالتزام بقواعد 'نيلسون مانديلا' وغيرها من المعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء، باعتبارها مرجعاً لتطوير منظومة العدالة والإصلاح.

ممثلة بعثة الأمم المتحدة

‎أكدت الممثلة الخاصة لبعثة الأمم المتحدة، خلال مشاركتها في المؤتمر، أن طريقة تعامل الدول مع الأشخاص المحرومين من حريتهم تمثل مؤشراً حقيقياً على مدى احترامها لسيادة القانون وحقوق الإنسان، معتبرة أن تطوير مؤسسات الاحتجاز يمثل إحدى أهم أولويات الإصلاح في ليبيا.

‎وأشارت إلى استمرار تلقي الأمم المتحدة تقارير تتعلق بعدد من التحديات، من بينها الاحتجاز التعسفي، وتأخر إجراءات المحاكمات، والاختفاء القسري، وسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الصحية، إضافة إلى أوضاع الاكتظاظ داخل بعض أماكن الاحتجاز، مؤكدة أن هذه الملفات تتطلب تعاوناً وطنياً شاملاً لمعالجتها.

‎وأوضحت أن نتائج استطلاع للرأي أجرته الأمم المتحدة أظهرت وجود تأييد واسع بين الليبيين لإجراء مراجعات قضائية عاجلة للمحتجزين، وتعزيز المساءلة من خلال المحاكمات العادلة، بما يعكس تطلع المجتمع إلى إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة.

‎وحددت البعثة الأممية ثلاث أولويات رئيسية، تتمثل في توحيد واستقلال السلطة القضائية، وإنهاء الاحتجاز خارج الأطر القانونية وإخضاع جميع أماكن الاحتجاز للرقابة القضائية، إلى جانب تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال التحقيق في الانتهاكات، وتوسيع مشاركة مؤسسات المجتمع المدني والجهات الرقابية في جهود الإصلاح.

‎وأكدت استعداد الأمم المتحدة لمواصلة تقديم الدعم الفني وبناء القدرات، بما يسهم في إنجاح الجهود الليبية الرامية إلى تطوير مؤسسات العدالة وترسيخ سيادة القانون.

رئيس الجلسة العلمية الأستاذ الدكتور أحمد الجهاني

‎أكد الأستاذ الدكتور أحمد الجهاني، رئيس الجلسة العلمية وممثل ليبيا لدى محكمة الجنايات الدولية، أن قضية العدالة والإصلاح تعد من أكثر القضايا ارتباطاً بتطور المجتمعات واستقرارها، مشيراً إلى أن العالم بأسره يواجه تحديات مستمرة في تطوير منظومة العدالة الجنائية بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق الإنسان.

‎وأوضح أن التشريعات الليبية، ومنذ صدور قانون العقوبات عام 1953، نصت بوضوح على أن الغاية الأساسية للعقوبة تتمثل في الإصلاح والردع وإعادة التأهيل، إلا أن التطبيق العملي ما زال بحاجة إلى مزيد من التطوير، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية للمؤسسات العقابية والإمكانات اللازمة لتنفيذ برامج الإصلاح.

hjjhgجانب من المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

‎ودعا الجهاني إلى الاستفادة من الدراسات والأوراق العلمية التي يناقشها المؤتمر، وتحويل توصياتها إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق، بما يسهم في تطوير المنظومة العقابية وتحقيق أهدافها الإصلاحية.

و‎قدم الأستاذ الدكتور الهادي بوحمرة ورقة علمية تناولت مشكلة تجاوز الطاقة الاستيعابية للمؤسسات العقابية، موضحاً أن الاكتظاظ لم يعد مجرد تحدٍ إداري، بل أصبح قضية قانونية وحقوقية تمس مشروعية تنفيذ العقوبات واحترام الكرامة الإنسانية.

‎وأشار إلى أن المعايير الدولية تعتمد مؤشرات دقيقة لقياس الطاقة الاستيعابية، من بينها نسبة الإشغال، والمساحة المخصصة لكل نزيل، ومدى قدرة المؤسسة على توفير الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية، والغذاء، والتعليم، والتهوية، إضافة إلى قدرتها على تنفيذ برامج الإصلاح والتأهيل.

‎وأوضح أن ارتفاع معدلات الاكتظاظ يؤدي إلى تراجع مستوى الخدمات، ويؤثر بصورة مباشرة على الأمن داخل المؤسسات العقابية، ويحد من فرص إعادة التأهيل، الأمر الذي قد يحول السجون من مؤسسات للإصلاح إلى بيئات تعزز العودة إلى الجريمة.

‎وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب مراجعة السياسات العقابية، والتوسع في تطبيق العقوبات البديلة، وتحسين البنية التحتية للمؤسسات الإصلاحية، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان.